مرَرْنا عَلى دارِ الحبيب فرَدَّنا عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها فَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها...
Mohamed Sadek
| مرَرْنا عَلى دارِ الحبيب فرَدَّنا | عَنِ الدارِ قانونُ الأعادي وسورُها |
| فَقُلْتُ لنفسي رُبما هِيَ نِعْمَةٌ | فماذا تَرَى في القدسِ حينَ تَزُورُها |
| تَرَى كُلَّ ما لا تستطيعُ احتِمالَهُ | إذا ما بَدَتْ من جَانِبِ الدَّرْبِ دورُها |
| وما كلُّ نفسٍ حينَ تَلْقَى حَبِيبَها | تُسَرُّ ولا كُلُّ الغِيابِ يُضِيرُها |
| فإن سرَّها قبلَ الفِراقِ لِقاؤُه | فليسَ بمأمونٍ عليها سرُورُها |
| متى تُبْصِرِ القدسَ العتيقةَ مَرَّةً | فسوفَ تراها العَيْنُ حَيْثُ تُدِيرُها |
... | |
في القدسِ، بائعُ خضرةٍ من جورجيا برمٌ بزوجته | |
يفكرُ في قضاءِ إجازةٍ أو في طلاءِ البيتْ | |
في القدس، توراةٌ وكهلٌ جاءَ من مَنْهاتِنَ العُليا | |
يُفَقَّهُ فتيةَ البُولُونِ في أحكامها | |
في القدسِ شرطيٌ من الأحباشِ يُغْلِقُ شَارِعاً في السوقِ، | |
رشَّاشٌ على مستوطنٍ لم يبلغِ العشرينَ، | |
قُبَّعة تُحَيِّي حائطَ المبكَى | |
وسياحٌ من الإفرنجِ شُقْرٌ لا يَرَوْنَ القدسَ إطلاقاً | |
تَراهُم يأخذونَ لبعضهم صُوَرَاً | |
مَعَ امْرَأَةٍ تبيعُ الفِجْلَ في الساحاتِ طُولَ اليَومْ | |
في القدسِ دَبَّ الجندُ مُنْتَعِلِينَ فوقَ الغَيمْ | |
في القدسِ صَلَّينا على الأَسْفَلْتْ | |
في القدسِ مَن في القدسِ إلا أنْتْ | |
... | |
وَتَلَفَّتَ التاريخُ لي مُتَبَسِّماً | |
أَظَنَنْتَ حقاً أنَّ عينَك سوفَ تخطئهم، وتبصرُ غيرَهم | |
ها هُم أمامَكَ، مَتْنُ نصٍّ أنتَ حاشيةٌ عليهِ وَهَامشٌ | |
أَحَسبتَ أنَّ زيارةً سَتُزيحُ عن وجهِ المدينةِ يابُنَيَّ | |
حجابَ واقِعِها السميكَ لكي ترى فيها هَواكْ | |
في القدسِ كلًّ فتى سواكْ | |
وهي الغزالةُ في المدى، حَكَمَ الزمانُ بِبَيْنِها | |
ما زِلتَ تَرْكُضُ خلفها مُذْ وَدَّعَتْكَ بِعَيْنِها | |
فًارفق بِنَفسكَ ساعةً إني أراكَ وَهَنْتْ | |
في القدسِ من في القدسِ إلا أَنْتْ | |
... | |
يا كاتبَ التاريخِ مَهْلاً، | |
فالمدينةُ دهرُها دهرانِ | |
دهر أجنبي مطمئنٌ لا يغيرُ خطوَه وكأنَّه يمشي خلالَ النومْ | |
وهناك دهرٌ، كامنٌ متلثمٌ يمشي بلا صوتٍ حِذار القومْ | |
... | |
والقدس تعرف نفسها، | |
إسأل هناك الخلق يدْلُلْكَ الجميعُ | |
فكلُّ شيئ في المدينةِ | |
ذو لسانٍ، حين تَسأَلُهُ، يُبينْ | |
... | |
في القدس يزدادُ الهلالُ تقوساً مثلَ الجنينْ | |
حَدْباً على أشباهه فوقَ القبابِ | |
تَطَوَّرَتْ ما بَيْنَهم عَبْرَ السنينَ عِلاقةُ الأَبِ بالبَنينْ | |
... | |
في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ | |
في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ، | |
فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ، | |
تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها | |
تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها | |
تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها | |
إذا ما أُمَّةٌ من بعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيها | |
وفي القدس السماءُ تَفَرَّقَتْ في الناسِ تحمينا ونحميها | |
ونحملُها على أكتافِنا حَمْلاً | |
إذا جَارَت على أقمارِها الأزمانْ | |
... | |
في القدس أعمدةُ الرُّخامِ الداكناتُ | |
كأنَّ تعريقَ الرُّخامِ دخانْ | |
ونوافذٌ تعلو المساجدَ والكنائس، | |
أَمْسَكَتْ بيدِ الصُّباحِ تُرِيهِ كيفَ النقشُ بالألوانِ، | |
وَهْوَ يقول: "لا بل هكذا"، | |
فَتَقُولُ: "لا بل هكذا"، | |
حتى إذا طال الخلافُ تقاسما | |
فالصبحُ حُرٌّ خارجَ العَتَبَاتِ لَكِنْ | |
إن أرادَ دخولَها | |
فَعَلَيهِ أن يَرْضَى بحُكْمِ نوافذِ الرَّحمنْ | |
... | |
في القدس مدرسةٌ لمملوكٍ أتى مما وراءَ النهرِ، | |
باعوهُ بسوقِ نِخَاسَةٍ في إصفهانَ لتاجرٍ من أهلِ بغدادٍ أتى حلباً | |
فخافَ أميرُها من زُرْقَةٍ في عَيْنِهِ اليُسْرَى، | |
فأعطاهُ لقافلةٍ أتت مصراً، فأصبحَ بعدَ بضعِ سنينَ غَلاَّبَ المغولِ وصاحبَ السلطانْ | |
... | |
في القدس رائحةٌ تُلَخِّصُ بابلاً والهندَ في دكانِ عطارٍ بخانِ الزيتْ | |
واللهِ رائحةٌ لها لغةٌ سَتَفْهَمُها إذا أصْغَيتْ | |
وتقولُ لي إذ يطلقونَ قنابل الغاز المسيِّلِ للدموعِ عَلَيَّ: "لا تحفل بهم" | |
وتفوحُ من بعدِ انحسارِ الغازِ، وَهْيَ تقولُ لي: "أرأيتْ!" | |
... | |
في القدس يرتاحُ التناقضُ، والعجائبُ ليسَ ينكرُها العِبادُ، | |
كأنها قِطَعُ القِمَاشِ يُقَلِّبُونَ قَدِيمها وَجَدِيدَها، | |
والمعجزاتُ هناكَ تُلْمَسُ باليَدَيْنْ | |
... | |
في القدس لو صافحتَ شيخاً أو لمستَ بنايةً | |
لَوَجَدْتَ منقوشاً على كَفَّيكَ نَصَّ قصيدَةٍ | |
يابْنَ الكرامِ أو اثْنَتَيْنْ | |
... | |
في القدس، رغمَ تتابعِ النَّكَباتِ، ريحُ براءةٍ في الجوِّ، ريحُ طُفُولَةٍ، | |
فَتَرى الحمامَ يَطِيرُ يُعلِنُ دَوْلَةً في الريحِ بَيْنَ رَصَاصَتَيْنْ | |
... | |
في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها | |
الكل مرُّوا من هُنا | |
فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمنا | |
أُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ | |
فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ | |
والتاتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهلاك، والفقراءُ والملاك، والفجارُ والنساكُ، | |
فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى | |
كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا | |
أتراها ضاقت علينا وحدنا | |
يا كاتب التاريخِ ماذا جَدَّ فاستثنيتنا | |
يا شيخُ فلتُعِدِ الكتابةَ والقراءةَ مرةً أخرى، أراك لَحَنْتْ | |
... | |
العين تُغْمِضُ، ثمَّ تنظُرُ، سائقُ السيارةِ الصفراءِ، مالَ بنا شَمالاً نائياً عن بابها | |
والقدس صارت خلفنا | |
والعينُ تبصرُها بمرآةِ اليمينِ، | |
تَغَيَّرَتْ ألوانُها في الشمسِ، مِنْ قبلِ الغيابْ | |
إذ فاجَأَتْني بسمةٌ لم أدْرِ كيفَ تَسَلَّلَتْ للوَجْهِ | |
قالت لي وقد أَمْعَنْتُ ما أَمْعنْتْ | |
يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟ | |
أَجُنِنْتْ؟ | |
لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ | |
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ | |
في القدسِ من في القدسِ لكنْ | |
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ | |

